ابن أبي الحديد

125

شرح نهج البلاغة

فان قلت فهل يمكن أن يفرق بينهما ، ليكون الكلام أكثر فائدة قلت نعم بان يريد بالأول من رأى رأيا وكشفه لغيره ، وجامعه عليه ثم بدا له وعابه ، ويريد بالثاني من عزم نفسه عزما ولم يظهر لغيره ثم رجع عنه ، ويمكن أيضا بان يفرق بينهما بان يعنى بالرأي الاعتقاد ، كما يقال هذا رأي أبي حنيفة ، والعزم أمر مفرد خارج عن ذلك ، وهو ما يعزم عليه الانسان من أمور نفسه ، ولا يقال عزم في الاعتقادات . ثم قال عليه السلام ( وقد أدبرت الحيلة ) أي ولت ، وأقبلت الغيلة ، أي الشر ، ومنه قولهم فلان قليل الغائلة أو يكون بمعنى الاغتيال ، يقال قتله غيلة ، أي خديعة يذهب به إلى مكان يوهمه انه لحاجة ثم يقتله . قال عليه السلام ( ولات حين مناص ) ، هذه من ألفاظ الكتاب العزيز ( 1 ) ، قال الأخفش شبهوا ( لات ) بليس ، وأضمروا فيها اسم الفاعل ; قال ولا تكون ( لات ) الا مع ( حين ) ، وقد جاء حذف ( حين ) في الشعر ، ومنه المثل ( حنت ولات هنت ) ، أي ولات حين حنت ، والهاء بدل من الحاء ، فحذف الحين وهو يريده . قال وقرا بعضهم ( ولات حين مناص ) بالرفع ، وأضمر الخبر . وقال أبو عبيد هي لا ; والتاء إنما زيدت في ( حين ) ، لا في ( لا ) ، وان كتبت مفردة ، والأصل ( تحين ) كما قال في ( الان ) ( تلان ) فزادوا التاء ، وأنشد لأبي وجزة : العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان أين المطعم ( 2 ) . وقال المؤرج زيدت التاء في ( لات ) كما زيدت في ( ربت ) و ( ثمت ) . والمناص المهرب ، ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا ، أي ليس هذا وقت الهرب والفرار .

--> ( 1 ) وهو قوله تعالى في سورة ص 3 : ( ولات حين مناص ) . ( 2 ) الصحاح 1 : 226 .